المكتب الاستشاري العربي للقانون وأعمال المحاماة
اشرف مشرف المحامي محامون ومستشارون
الإثبات القضائي
مفهومه وأهميته في القضاء وتنظيمه التشريعي
 
د/ عز الدين محمد أحمد الأمين
أستاذ القانون المدني
 
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد و على آله و صحبه و من تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، و بعد،
إن من حسن الطالع أن كتابات الشراح في هذا الفرع من فروع القانون (الإثبات) على قدر من الوفرة في المكتبة القانونية العربية، إذا ما قورنت بفروع أخرى من القانون. غير أن هذا لم يمنعني من التفكير في الكتابة فيه، لما استشعرته من أهميته ولما له من ارتباط وثيق بالممارسة العملية في المحاكم وتحقيق العدالة بين أفراد المجتمع. ولما لمسته من أهمية هذا العلم، لدارسي القانون والمشتغلين في مجال المهن القانونية جميعها.
وقد جاءت هذه الورقة في مباحث ثلاثة تناولت في اولها فكرة الإثبات القضائي من حيث مفهومها وتحديد ماهيتها، وفي ثانيهما أهمية الاثبات القضائي في القضاء في الخصومات وبالتالي في تحقيق العدالة، وتناولت في ثالثها التنظيم التشريعي لقواعد قانون الإثبات وموقعه من النظام القانوني للدولة في مجمله.
         وإني إذ اقدم هذه الورقة آمل أن تكون عملاً مفيداً نافعاً في هذا الجانب من القانون، ومساهمة متواضعة في المكتبة القانونية العربية، وجهداً مقبولاً عند الله تعالى. منتظراً من الزملاء الكرام ألا يضنوا عليَّ بملاحظاتهم وانتقاداتهم.
 
وآخر دعوانا أن  الحمد لله رب العالمين.                                                                             

المبحث الأول
 
مفهوم الإثبات القضائي
تعريف الإثبات القضائي:
إن تحديد معنى الإثبات ومفهومه في مجال القانون لا يتأتى إلا برد الكلمة (إثبات) إلى أصلها في اللغة العربية. والإثبات في اللغة هو: " تأكيد الحق بالدليل، يقال اثبت حجته أي أقامها وأوضحها " . أما في اصطلاح فقهاء القانون فإن الإثبات أو (البينة) هو: " إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون علي وجود واقعة قانونية متنازع عليها بما ينبني عليه من آثار" .
فالإثبات وفقا لهذا التعريف هو الوسيلة الوحيدة التي يعتد بها القانون لتأكيد وجود الواقعة محل النزاع أو عدم وجودها، ومن ثم إمضاء الآثار القانونية الموضوعية المترتبة على تلك الواقعة. وبالتالي فإن تأكيد وجود الواقعة محل النزاع او نفيها لا يقبل من غير إثبات، كأن يعتمد القاضي في حكمه على فصاحة الخصم قوة عبارته، ونحو ذلك.
وقد اهتم بعض الفقهاء في تحديدهم لمعنى الإثبات بمسألة القيود التي يفرضها المشرع على مسألة الإثبات، فعرفوا الإثبات بأنه: " إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون وبالقيود التي رسمها على وجود واقعة قانونية متنازع عليها " . ويبدو من هذا التعريف تركيز هؤلاء على الإطار القانوني الذي يمثل قيداً على عملية الإثبات من حيث تحديد طرق الإثبات في عمومها أولاً، ومن حيث التقيد بالشروط والضوابط التي سنها المشرع بالنسبة لكل طريق من طرق الإثبات من الناحية الثانية.
و كما هو واضح فإن كلا التعريفين لا يخرج عن المعنى العام الذي شاع بين فقهاء القانون لهذا المصطلح.
بيد ان التعريف الذي نختاره لمصطلح الإثبات - وهو التعريف الذي قال به بعض فقهاء القانون - هو: " تقديم الدليل المقبول أمام القضاء بالطرق المقررة على واقعة قانونية محل نزاع بين الخصوم ". فهذا التعريف يتسم بالدقة و الوضوح والبساطة من جانب ، كما يتسم بالإحاطة بمعنى الإثبات وعناصره من ناحية ثانية، بحيث يغنينا عن غيره من التعريفات.
وما نلاحظه في هذا المقام أن المشرع في بعض النظم القانونية جرى على استعمال مصطلح (البينة) بدلاً عن الإثبات في نصوصه، كما هو الحال في القانون السوداني؛ حيث استخدمت المادة (2) من قانون الإثبات (الملغى) لسنة 1983م هذا المصطلح والذي لا يختلف - في القو ل الراجح  عند الفقهاء المسلمين - عن مدلول مصطلح الإثبات، وعرفت تلك المادة البينة بأنها: (يقصد بها أي وسيلة يتم بها إثبات أو نفي أي واقعة متعلقة بدعوى أمام المحكمة). وقررت المادة (4) من القانون سريان قواعد الإثبات على إجراءات المحاكم (أي محكمة) واستثنت صراحة من نطاق تطبيق قواعد الإثبات إجراءات التحكيم والتوفيق.
أما قانون الإثبات السوداني (الحالي) لسنة 1993م فقد عرف البينة في المادة (4) منه بأنها: (يقصد بها أي وسيلة يتم بها إثبات أو نفي أي واقعة متعلقة بدعوى، أو نزاع أمام المحكمين أو الموفقين). ويتضح من هذا النص أن تعريف البينة في قانون الإثبات لسنة 1993م، هو أوسع نطاقا من مدلول هذا المصطلح في قانون الاثبات (الملغى) لسنة 1983م ، حيث يشمل تعريف البينة في القانون الحالي الوسائل التي يتم بها الإثبات أمام القضاء في أية (دعوى) كما يشمل أيضاً الإثبات أمام المحكمين والموفقين.
وكما هو واضح من تعريف الإثبات السابق فإن المقصود هو (الإثبات القضائي)؛ أي الإثبات الذي يتم عن طريق تقديم الدليل أمام القضاء أو المحكمين أو الموفقين - وهو في هذا يختلف عن الإثبات بالمعني العام، أي ذلك الإثبات المجرد من كل قيد، ولا يكون أمام القضاء كالإثبات العلمي، والإثبات التاريخي فكل من هذين النوعين الأخيرين من الإثبات يتم بأي وسيله كانت بحثا عن الحقيقة المجردة .
والاثبات القضائي بمعناه القانوني، يتعين أن ينصب علي وجود واقعة قانونية أو نفيها، ذلك أن محل الإثبات ليس هو الحق المتنازع عليه؛ بل محله الواقعة القانونية المنشئة لهذا الحق سواء أكانت هذه الواقعة عملا قانونيا، أي تصرفا قانونيا كالبيع أو الوكالة، أم كانت واقعة مادية كالعمل غير المشروع .
أخيرا يتعين أن يتم الإثبات بالطرق التي حددها القانون؛ ذلك أن المشرع يحدد طرق الإثبات المختلفة وطريقة تقديمها، وهو تحديد ملزم للخصوم كما هو ملزم للقاضي، بحيث لا يحق للخصوم الاستناد في دعاواهم على غير طرق الإثبات المقبولة قانونا، او ان يخالفوا ضوابط القانون في عملية الإثبات أمام القضاء، فإن فعلوا لم يجز للقاضي ان يقبل ما قدموه من أدلة. وفي هذا جانب يبدو واضحا الخلاف الجوهري بين (الإثبات العلمي والاثبات التاريخي) والذي يتميز بالتحرر من كل قيد في إثبات الحقائق العلمية والتاريخية موضوع البحث و (الإثبات القضائي) .

المبحث الثاني
أهمية الإثبات القضائي
في مجال القضاء
دور الإثبات في الفصل في الخصومة (نظرة تاريخية)
إن دور الاثبات في مجال القضاء في الخصومات وبالتالي في تحقيق العدالة بين افراد الجتمع وأشخاصه، دور لا تكتمل أدوات العدالة إلا به، ولا تتحقق لقواعد القانون الموضوعية والشكلية فعاليتها إلا عن طريقه. وقد كان لفكرة الاثبات القضائي كوسيلة لفض الخصومات وتحقيق العدال دور كبير في النظم القانونية على مر التاريخ.
وقد مر النظام القانوني للإثبات بمراحل عديدة من التطور قبل أن يصل إلى ما هو عليه اليوم في التشريعات المعاصرة. ويمكننا تقسيم هذه المراحل إلى ثلاث: هي المرحلة البدائية، المرحلة التحديدية، واخيرا مرحلة الاقتناع الحر.
ففي المرحلة البدائية كانت ادلة الاثبات تخضع للنظام التجريبي البدائي الذي كان عماده الاساس الإنطباعات والتأثيرات الشخصية البحتة، التي لم تكن تمت بصلة لفلسفة الإثبات ذاتها، لان فكرة الإثبات لم تكن قد تبلورت بعد في تلك المرحلة. وفي تطور لاحق لهذه المرحلة كان الإثبات قائما على أساس الابتهال والاحتكام إلى الآلهة، وفقا لمعتقدات المجتمع وديانته التي يدين بها.
وكانت إجراءات الإثبات في هذه المرحلة تقوم على طرق خرافية، فضلا عن أنها كانت إجراءات معقدة بشكليات لا تتصل البتة بالحق محل الإثبات. فمثلا كان صدق المتهم في هذه المرحلة يمتحن بواحدة من التجارب التي كانوا يعتقدون بتدخل القوة الإلهية فيها، كتجربة النار التي يكلف المتهم فيها بأن يقبض بيده على قضيب من الحديد المحمَّى في النار، وكتجربة الماء المغلي، حيث كان المتهم يغمس ذراعه فيه، فإذا لم يصب بأذى كان ذلك دليلاً على براءته . وعلى وجه العموم كان الإثبات في هذه المرحلة يعتمد على وسائل عديدة ترتكز على القوة الإلهية للوصول إلى الحقيقة، وبناء الحكم القضائي عليها.
أما في المرحلة التحديدية، فقد كان المشرع يحدد الأدلة التي تقبل في الإثبات على وجه الحصر، كما يحدد قيمة كل دليل في الإثبات. ولذلك نجد في هذه المرحلة أن حرية القاضي المطروح أمامه النزاع في الحكم تتقيد إلى أقصى حد بأحكام التشريع ونصوصه؛ فهو ملزم بالحكم بمجرد توفر الأدلة المنصوص عنها في القانون، ولو لم يكن مقتنعاً بصحة الواقعة المطروحة أمامه.
ولعل اهم ما يميز هذه المرحلة انه كان للاعتراف المكان الأول بين أدلة الإثبات، ولذا كان يباح في هذه المرحلة اللجوء إلى كافة طرق التعذيب للحصول على اعتراف المتهم، على أساس انه بدون التعذيب لن يكون من الممكن الحصول على اعتراف المتهم أو التوصل إلى تأكيد وقوع الخطأ منه . وتتميز هذه المرحلة بالالتزام الصارم بمذهب الإثبات المقيد أو القانوني والذي سوف نتناوله بالمزيد من الايضاح فيما يلي.
أهمية الإثبات القضائي
يعتبر موضوع الإثبات من أهم وأدق المسائل التي تواجه القاضي وهو يؤدي وظيفة الفصل في الخصومات وتحقيق العدالة ؛ إذ أن قواعد الإثبات تهدف عموماً إلى كشف الحقيقة التي تتجسد في مظهرها النهائي في الحكم الذي يصدره القاضي في الدعوى المعروضة عليه، أو ما يعبر عنه (بالحقيقة القضائية). لذلك قيل بأن الحكم هو عنوان الحقيقة و مظهرها، إلا أن الحكم أو الحقيقة القضائية لا يأتي دائما مطابقاً لحقيقة الواقع (الحقيقة الواقعية)، فقد يحصل التعارض بينهما الأمر الذي يشكل خطراً على استقرار المعاملات وإهدارا للعدالة في المجتمع . ومن هنا لزمت العناية بمسألة الاثبات والتي تعتبر هي السبيل الأوحد لتحقيق التطابق - أوعلى الأقل التقارب - بين الحقيقتين الواقعية والقضائية، الأمر الذي يصب في النهاية في صالح حماية الحق ذاته من الضياع ومن تغول الآخرين.
فالحق أيا كان، يرتبط من الناحية الواقعية بالقدرة على إثباته؛ إذ لا يمكن التمتع بحق ما دون إقامة الدليل عليه عند النزاع. فان ثبت عجز مدعي الحق عن تقديم الدليل المرسوم تعذر التمسك بالحق أو المركز القانوني الذي يدعيه الشخص. ولكن بالرغم من هذا التلازم والارتباط الوثيق بين الحق والدليل عليه، فإن الدليل في الحقيقة هو شئ مختلف عن الحق ذاته؛ فهو لا يعدو أن يكون مجرد وسيلة لإثبات وجود الحق بشروطه وأوصافه فلو كان الدليل باطلا مثلا فان ذلك لا يحول دون إثبات الحق بدليل آخر  . ولتوضيح ذلك، فإن الإثبات إنما يرد علي مصدر الحق، لا علي الحق ذاته، ومصدر الحق كما هو معلوم قد يكون تصرفا قانونيا أو واقعة قانونية، أما الحق ذاته فلا يكون محلا للإثبات بل هو الهدف الذي يرمي إليه صاحب الحق من الإثبات.
والقاعدة أن الإثبات إنما يقصد به إقامة الدليل على الواقعة القانونية المنتجة في الدعوى بالمعنى الشامل للواقعة والذي يتضمن التصرف القانوني أيضا ؛ لان هذا التصرف  القانوني في حقيقته لا يعدو أن يكون واقعه إراديه ترتب آثاراً قانونية، و ينبني على هذه القاعدة أن الإثبات لا يرد على القاعدة القانونية ؛ لأن على القاضي واجباً اساسياً بمعرفة القانون و الإحاطة بأحكامه حتى يتسنى له تطبيقها . ويترتب علي ذلك أن العجز عن إثبات مصدر الحق من شانه أن يؤدي إلى عدم وجود الحق أمام القضاء كحقيقة قضائية ولو كان له وجود في الحقيقة والواقع.
وفي الواقع فإن كثيراً من القضايا يخسرها أصحابها، فيضيع الحق على أحدهم لا لأنه مدعٍ كاذب؛ بل لأن حقه الذي يطالب به بلا دليل هو جسد لا روح فيه ولا نفع منه، ولهذا فقد استقر عند الفقهاء أن الإثبات يعتبر بمثابة شريان الحياة للحق، وأن الحق الذي يعجز صاحبه عن الإثبات هو والعدم سواء، وتواترت أقوالهم علي: " أن الدليل هو قوة الحق "، و" أن ما لا دليل عليه هو والعدم سواء ". وخلاصة ذلك كله أن الحق يتجرد من كل قيمة، ما لم يقم الدليل علي مصدره أمام القضاء وفقا لما قرره المشرع من قواعد الإثبات، سواء أكان مصدر ذلك الحق قانونيا أم ماديا .

المبحث الثالث
التنظيم التشريعي للإثبات
    يشتمل التنظيم التشريعي للإثبات - بالنظر إلى فحوى القاعدة القانونية وطبيعة الموضوع الذي تنظمه - علي طائفتين من القواعد هما القواعد الموضوعية والقواعد الشكلية.
الطائفة الأولى من قواعد الاثبات أطلق عليها فقهاء القانون وصف القواعد االموضوعية بحكم ما تهدف اليه من تنظيم الإثبات القضائي من الناحية الموضوعية ، فنجد هذه الطائفة من قواعد الإثبات تهتم بمعالجة وتبيان طرق الإثبات المختلفة من إقرار وشهادة ومستندان ويمين…الخ. كما أنها تحدد القيمة قانونية الكل طريق من تلك الطرق في الإثبات، كما تهتم هذه الطائفة أيضا بمعالجة المسائل المتعلقة بعبء الإثبات، وتوزيعه بين الخصوم ومحل الإثبات في الدعاوى أيا كان نوعها، كما تهتم بمعالجة مشروعية الأدلة أو وسائل الإثبات .
الطائفة الثانية من قواعد الإثبات - وعلى خلاف الطائفة الأولى - لا شأن لها بالشق الموضوعي للإثبات القضائي؛ وإنما يقتصر دورها على الجانب الشكلي، وهذه هي القواعد الشكلية.
وفي الواقع فان دور القواعد الشكلية في مجال الاثبات لا يقل أهمية وحيوية عن القواعد الموضوعية ، حيث تلعب هذه القواعد دوراً هاما في الجانب التنظيمي لعملية الإثبات أمام المحاكم وكما هو معلوم فإن جانب التنظيمي هو العمود الفقري لعملية تحقيق العدالة في شتى مجالاتها، وبغيره تغدو الإجراءات امام المحاكم مسرحا للفوضى ومعتركاً للأهواء، الامر الذي يفتح الباب على مصراعيه للتغول على العدالة وهدمها من أساسها. وتهتم القواعد الشكلية في قانون الاثبات بمعالجة الإجراءات الواجب اتباعها في تقديم البنية التي حددتها القواعد الموضوعية أمام القضاء. مثل الإجراءات الخاصة بتقديم المستندات أمام المحكمة والاعتراض عليها والطعن فيها، والإجراءات المنظمة لكيفية أداء الشهادة ومراحلها المختلفة من استجواب رئيسي، ومناقشة، وإعادة استجواب. ومن قبيل القواعد الشكلية وصف إجراءات المعاينة القضائية وكيفية اعداد محضرها ، وإجراءات بينة الخبير وكيفية تحريرها وما ذلك .
ونظرا للطبيعة المزدوجة لقواعد الإثبات وارتباطها بالشكل والموضوع في آن واحد، فقد انقسمت التشريعات بالنسبة للمكان التي ترد فيه قواعد الإثبات إلى اتجاهات ثلاثة :
الإتجاه الأول يرى وضع القواعد الموضوعية للإثبات في القانون الموضوعي، كالقانون المدني والقانون الجنائي، بينما توضع القواعد الشكلية في القانون الإجرائي، كقانون الإجراءات المدنية (قانون المرافعات) وقانون الإجراءات الجنائية. والهدف الذي يرمي إليه هذا الاتجاه هو المحافظة على الطبيعة المميزة لكل من نوعي قواعد الإثبات. وهذا هو الاتجاه السائد في القوانين اللاتينية كالقانون الفرنسي والقانون المصري.
الاتجاه الثاني يرى جمع قواعد الإثبات الموضوعية والشكلية معاً وتضمينها في القوانين الإجرائية، أي أن هذا الاتجاه يتعامل مع قواعد الاثبات في عمومها على أنها قواعد إجرائية، دون أن يلقي بالاً للطابع الموضوعي الذي تتسم به كثير من قواعد قانون الاثبات. وهذا الاتجاه أخذ به القانون الألماني والقانون السويسري وبعض القوانين العربية كالقانون اللبناني.
أما الإتجاه الثالث فيتسم بالوسطية في موقفه من تصنيف قواعد الإثبات، فيرى إفراد قانون خاص لقواعد الإثبات الموضوعية والشكلية معاً، وبالتالي معاملة قانون الإثبات كفرع مستقل ومميز من فروع القانون، لا شأن له بالقوانين الموضوعية ولا القوانين الإجرائية. وهذا هو الإتجاه الذي أخذ به التشريع الانجليزي، ويبدو أن تأثير القانون الإنجليزي على القانون السوداني والارتباط التاريخي بينهما، هو ما جعل المشرع السوداني يأخذ بهذا الاتجاه. وهذا الاتجاه في رأيي يلبي الأهمية المتزايدة لقواعد الإثبات في مجال تحقيق العدالة في العصر الحديث، حيث يمكن للمشرع وفقاً لهذا الإتجاه ملاحقة التطور الهائل في مجال التكنولوجيا والمستجدات التي أسفر عنها هذا التطور خاصة في مجال المعاملات الالكترونية. وخير دليل على ذلك الجدل الواسع الذي تثيره مسألة الإثبات بالوسائل الإلكترونية الحديثة ، كرسائل البيانات والتوقيع الاكتروني وغيرهما. إفراد الاثبات بقانون مستقل بلا شك يتيح للمشرع حرية ارحب ومكنة أفضل في التصدي لهذه المستجدات وملاحقة تطورها.
خاتمة:
نخلص مما سبق إلى أن الإثبات القضائي كمصطلح يطلق على عملية تقديم الدليل المقبول أمام القضاء بالطرق المقررة على واقعة قانونية محل نزاع بين الخصوم، يتميز بأهمية كبيرة تنبع من ارتباطه الوثيق بالجانب العملي من عملية تحقيق العدالة بين أفراد المجتمع؛
ولذا كان موضوع الإثبات من أهم وأدق المسائل التي تواجه القاضي وهو يؤدي وظيفة تحقيق العدالة والفصل في الخصومات؛ خاصة وأن مسألة الإثبات تعتبر هي السبيل الأوحد لتحقيق التطابق - أوعلى الأقل التقارب - بين الحقيقتين الواقعية والقضائية، الأمر الذي يصب في النهاية في صالح حماية الحق ذاته من الضياع ومن تغول الآخرين.
وفيما يتعلق بالتنظيم التشريعي والكيفية التي يجب ان تعالج بها قواعد الإثبات فإن الاتجاه الذي تمليه اعتبارات التطور هو الوسطية في تكييف قواعد الاثبات وتصنيفها بين الشكلية والموضوعية؛ الأمر الذي يقتضي إفراد قانون خاص لقواعد الإثبات، وبالتالي معاملته كفرع مستقل ومميز من فروع القانون الأخرى الموضوعية والإجرائية.
خاصة وأن هذا الاتجاه هو الذي يلبي الأهمية المتزايدة لقواعد الإثبات في مجال تحقيق العدالة في العصر الحديث، إذ يمكن للمشرع وفقاً لهذا الإتجاه ملاحقة التطور الهائل في مجال التكنولوجيا والمستجدات التي أسفر عنها هذا التطور، وبالذات في مجال المعاملات الالكترونية التي تتبع فيها الوسائل الإلكترونية الحديثة، كرسائل البيانات والتوقيع الاكتروني وغيرهما. وإفراد الاثبات بقانون مستقل - بلا شك - يتيح للمشرع حرية ارحب ومكنة أفضل في التصدي لهذه المستجدات وملاحقة تطورها.
 
 
 
الصفحة الرئيسية     |      من نحن      |      خدماتنا      |      الشركاء      |  منتدى القانونيين العرب
   اتصل بنا
mailto:ashrfmshrf@yahoo.com
   الخط الساخن على  الماسينجر
  ashrf_mshrf@hotmail.com
  للأتصال على الجوال من خارج مصر
  0020124321055
0020104624392
من مصر
0124321055
0104624392